ماكس فرايهر فون اوپنهايم
31
من البحر المتوسط إلى الخليج
بعض الهضاب التي تحتوي هي نفسها على بقايا مدن أثرية قديمة تعود إلى عصور مختلفة تفصل بينها مئات السنين ، من العهد الآشوري البابلي ، والعهد الروماني البيزنطي والعهد العربي القروسطي . ولقد حافظت التلال الركامية على شكلها الحالي لأنه في مدن وقرى ذلك الزمان لم تكن تبنى بمواد صلبة سوى المباني الرئيسية ( المعابد ، والقلاع ) ، وفقط الأجزاء السفلى منها ، بينما كانت الأجزاء العلوية والبيوت المجاورة - كما هو الحال حتى اليوم في مدن الواحات الصحراوية - تتألف من آجر طيني مجفف في الهواء ( غير مشوي ) ما يلبث عند انهيار المدينة أن يتفتت بتأثير المطر ويغطي الجدران الصلبة بطبقة من التراب . وعلى الطبقات التي تتشكل بهذه الطريقة بنيت في المراحل اللاحقة قلاع المدن الجديدة ثم تكررت هذه العملية مرة بعد الأخرى « 1 » . [ طرق القوافل في ما بين النهرين ] تعدّ المنطقة المجاورة للخابور ، للأسف ، من أخطر أجزاء تركيا الآسيوية . فلأن النهر دائم الجريان يتيح المجال للغزو في جميع فصول السنة . وكان أول أوروبي جلب لنا خلال هذا القرن معلومات عن الخابور جمعها بنفسه هو هنري آ . لا يارد عالم نينوى المشهور الذي أصبح فيما بعد سفيرا لبريطانيا في القسطنطينية وتوفي في سبتمبر / أيلول 1894 . جاء هذا الرجل النشيط من الموصل في عام 1850 وأجرى حفريات ، بصورة رئيسية ، في عربان ، لكنه لم يزر الخابور إلا من تل كوكب حتى تل شمساني . أما المعلومات الجغرافية العديمة الدقة دوما والتي ذكرها البلانتس « 2 » ( السيد والسيدة بلانت ، م . ) فقد حصلا عليها خلال رحلتهما في منطقة ما بين النهرين عام 1878 حيث عبرا النهر عند تل فدغم على متن عبارة خشبية صغيرة صنعها الشّمر . وكان البروفسور زاخاو ينوي في عام 1880 دراسة الخابور حتى تل كوكب لكنه اضطر إلى التخلي عن خطته بسبب
--> ( 1 ) من الأمثلة المهمة جدا على بناء المدن فوق بعضها البعض في عصور مختلفة تل الحيسي الذي اكتشفه مؤخرا في جنوب فلسطين البريطاني فليندز بتري والأمريكي بليسّ ويعدّ نفس تل لا خيس القديم . فقد اكتشفت في هذا التل أنقاض ثمان مدن ، لا بل وربما إحدى عشرة مدينة ، من عصور مختلفة . ( 2 ) نفس المرجع السابق ، الجزء الأول ، ص 340 .